لقطات أساسية في المراهقة السياسية
كان بعض الزملاء في هذه الحبسة يتعاملون كأنهم في فندق يقضون به عطلة الصيف فتجد احدهم يعامل العساكر بغلظة وعجرفة و كأنه يعاقبهم علي ما فعله زبانية امن الدولة رغم مجهود العساكر والمخبرين لراحتنا في السجن والامتيازات الملحوظة التي حصلنا عليها بعد عناء مع إدارة السجن المرعوبة من امن الدولة ... مما أدي إلي فقدان تعاطف العساكر الغلابة معنا وكراهية البعض لنا.
وجديرا بالذكر أن أكثر أسباب تلك المعاملة هو الروتين الحكومي العجيب وعدم إلمام العساكر بلوائح السجن ورعبهم من مخالفة الأوامر ... وليس معني ذلك أن كل الضباط كانوا ملائكة والزملاء هم المستفزون بل العكس هو الصحيح فمعظم الضباط والعساكر مستفزون وكذابون كعادة وزارة الداخلية ... ولكن كان هناك كثيرون محترمون أو أجبرناهم علي احترامنا ولكن بعض التعاملات الفردية مع بعض الزملاء قضت علي أي تعاطف.
كذلك كان بعض الزملاء يثيرون مشكلات مع بعض الجنائيين بدون داعي أو يظل احدهم طوال النهار والليل يسب الدين ويصدر اصواتا من انفه ( شخير ) بدون داعي مما كان يسئ لصورتنا أمام المتعاطفين معنا.
كان بعض الزملاء وخصوصا اليساريين المتعصبين عندما تحدث مشكلة شخصية بينه وبين احد من أعضاء حزب الغد بسبب قطعة جبن أو سيجاره فرط ... تجد هذا الزميل لا ينتقد الآخر عضو الغد علي هذا السلوك بل تجده يسب حزب الغد بأكمله وأحيانا بأقذع الألفاظ مما يتسبب في خلق خلافات وشجار ايدولوجي ويخرج بنا عن الخلاف الأساسي التافه من الأساس.
كان بعض الزملاء لا يتورعون عن الخلاف علي أسباب ــ تافهة أيضا ــ بصوت عالي أمام الجنائيين مما كان يسبب حرج للآخرين ....
· ملحوظة ... هذه الواقعة لم تحدث كثرا ولكن حدثت.
من المفارقات أن تجد بعض الشباب المنتسب للفكر اليساري دائما يزايدون علي أعضاء حزب الغد مستغلين قلة الخبرة السياسية لدي بعض أعضاء هذا الحزب الوليد ومتهمين إياهم بالبرجوازية والعمالة للإمبريالية والتنكر للفقراء في الوقت الذي تجد فيه الإخوة اليساريين يعيشون حياة مرفهة برجوازية رأسمالية خارج السجن وداخله وأيضا في الوقت الذي تجد فيه أن معظم أعضاء الغد الليبرالي من الطبقات الكادحة والمتوسطة والفقيرة أيضا.
فيبدوا أن الأمر برمته مجرد شعارات محفوظة للبعض وسبوبة لكثير آخرين .
أو أن الهرم السياسي مقلوب في مصر.
بعض الزملاء الأعزاء كانوا يتضاحكون ويتغامزون علي أعضاء حزب الغد بسبب ندرة الوعي السياسي أو التثقيفي لدي يعض البسطاء من أعضاء هذا الحزب ... مستغلين خبرتهم في الكلام والتنظير الذي يعتبر سمة لدي فئات اليسار ... متناسيين أن هؤلاء الغلابة أصحاب الحزب الغلبان أجابوا نداء الوطن بدون حسابات وبدون خبرة في التنظير والحذلقة.
وهناك اقتراحات من أعضاء الغد ــ اللي ياي وحشين ــ بعدم النزول للمظاهرات مرة أخري عشان يريحوا الناس بتوع التنظير .
مشكلة شخصية :
أثناء بداية إضراب مجموعة منا عن الطعام تم نقلنا لزنازين التأديب ... فجهزت حقيبة ملابسي ــ كاملة للأسف ــ ولم استطع اختيار ما احتاجه فقط نظرا لضيق الوقت ولعدم وجود زنازين تأديب كافية تم نقل بعض الزملاء لعنبر الزراعة .
وعند طلبي لحقيبة ملابسي من داخل التأديب فوجئت بأن الزميل كريم الشاعر أخذها معه لعنبر الزراعة البعيد جدا عنا ولا اعرف حتى الآن سبب ذلك فسبب لي سامحه الله أن مكثت خمسة أيام في التأديب وسط الحشرات بدون استحمام لعدم وجود ملابس وظللت اطلبها ولم يتم إرسالها حتى بعد خروجي من التأديب بأكثر من أسبوع .
كل يوم ابعث للزملاء في عنبر الزراعة واطلب إرسال حقيبتي التي بها كل ملابسي واحتياجاتي بل وأيضا هدايا لم أجد الوقت لأراها ــ كانت من خطيبتي ــ وكل كتبي وكتاباتي .
وبعد أكثر من أسبوع من الطلب المتواصل علمت أن الزميل بهاء صابر يرفض إعادتها لي لأن ضابط بإدارة السجن استرد " منامة " أخذها بهاء منه من قبل وان بعض الملابس ضاعت في أمانات السجن .
"طب وأنا مال أهلي" مشكلة بينهم وبين إدارة السجن يعملوا محضر أو بلاغ للنائب العام مش يعذبوني أنا.
المهم بعد رسائل كثيرة لهم أعادوا الشنطة ولكن بدون أشياء هامة تم استعمالها منهم كلها هدايا جديدة من خطيبتي وهناك أيضا تميمتان لا اعرف لماذا أخذوهما ( بها محمد رسول الله أهدتها لي خطيبتي) .
وحتى الآن لم استرد الهدايا التي لم استعملها وتم استعمالها في عنبر الزراعة.
المهم اخبروا كريم الشاعر وبهاء صابر أن صداقتي بهم لن تعود لسابق عهدها ( إن عادت ) واحتمال أجيب وش واحد منهم بشمبره ــ والشمبره لمن لم يدخل سجون بعد هي بديل للسكاكين وتستخدم في تقطيع الخضراوات وتصنع من غطاء علب التونة ــ
للأسف توجد بعض التصرفات السلبية الأخرى لبعض الزملاء لن اذكرها وسوف أنبه أصحابها لها ... منها علي سبيل المثال الخوض في مسألة الأديان أو انتقادها أمام الجنائيين الذين تجنبونا بعدها .
هذه ليست صورة قاتمة أو فضائح أو نشر غسيل وسخ ولكنها تذكرة لمن يتم اعتقاله بعدنا ... وهذا ليس ببعيد بعد وضوح غباء النظام وهمجيته.
واعذروني علي انفعالي غير المعتاد.
صور مضيئة :
عندما تنظر إليه في أي وقت تجده ينظر إليك باسما ... وجهه جميل وابتسامته مريحة ... دائما تفسيره للأمور صحيح ومنطقي.
نلجأ إليه لحل أي خلاف أو مشكلة ... دائما آراءه صائبة ... ترتاح للكلام معه ... لا يعاني من عقد التعصب الايدولوجي أو الغرور النضالي ... زعيم رغم انفه وان كان أكثر المتواضعين.
انه العظيم كمال خليل ... الذي خفف عنا ما نحن فيه والذي لولاه لكانت حياتنا في محبسنا أصعب.
تحية لهذا المناضل وليت الجميع يقتدوا به.
دائما تجده خدوما رغم انفعاله المفاجئ لأشياء لا تستدعي ذلك إلا انه أطيب من يكون ... انه كالأخ الكبر الذي يراعينا ويهتم بنا ... انه إبراهيم الصحاري الجميل الذي يستيقظ في منتصف الليل ليغطينا ودائما تجده متبرع بعمل الشاي.
مزعج وصوته عالي جدا ... كثير الكلام بداعي وبدون داعي ... كنت لا أطيقه قبل حبسي معه ولكنه كالطفل اللذيذ ... يمتعنا دائما بأشعاره الجميلة وطبخه الشهي ... انه شاعر الغد ونجم المستقبل "علي الفيل" الذي تحس أحيانا انه عنده إسهال شعري.
تعتقد انه مجنون ضل طريقه للسجن بدلا من العباسية ... دائما يتحدث عن المنشورات ... أحيانا يهذي بكلام غير مفهوم ... وعندما تتكلم معه في موضوع جاد وخصوصا موضوع علمي تفاجأ وتصعق انه عبقري حقيقي وعقله جبار ممتلئ بالذكاء.
انه المهندس محمد عبد الرحمن الذي دمعت عيناي عندما علمت انه كان مهندس كبير ولكن تم إحالته للتقاعد نتيجة إصابته بالشيزوفرينيا للأسف الشديد ...
شخص بالفعل جميل لا يحمل حقدا لأي احد.
لم أكن اعرفه من قبل وان رأيته في مظاهرات عديدة ... وعندما تكلمت معه ذهلت من كم المعلومات ومن ذكائه ... انه علاء سيف الإسلام ... ابن المناضل احمد سيف الإسلام.
ولن احكي عنه كثيرا لان الجرائد تكفلت بذلك ولكنه يستحق فعلا.
كثيرون كثيرون أود ذكرهم والكلام عنهم ... كصديقي محمد الشرقاوي ... وسامح بتاع ليبيا ... وياسر بدران بتاع بورسعيد ... ومحمد الدرديري اللي مجوعنا ... وحسين عضو حزب الغد ...
وربنا يسهل واديهم جزء من حقهم.
احمد ماهر
لسه في سجن طره
